أقلام حرة

د سعيد سامي : "إسهامات جامع سنكري بتنبكتو في إثراء الخزانة الإسلامية في العلوم الشرعية عصر امبراطورية سنغاي"

 بسم الله الرحمن الرحيم

“إسهامات جامع سنكري بتنبكتو في إثراء الخزانة الإسلامية

    في العلوم الشرعية عصر امبراطورية سنغاي

القرن 10 الهجري/ 16 الميلادي”

        نقدم في هذا البحث جرداً لأهم المؤلفات التي ساهمت بها جامعة سنكري بتنبكتو في إثراء الخزانة الإسلامية خلال القرن العاشر الهجري / 16 م، وقد كانت هذه المدينة العاصمة العلمية في عصر إمبراطورية سنغاي الإسلامية التي امتدت على جمهورية مالي الحالية وأجزاء من النيجر وشمال نيجيريا، ومناطق من بوركينا فاسو، وأجزاء من بلاد الطوارق شمال الصحراء الكبرى.

لم يعد علماء الغرب الأفريقي خلال القرن 16 يكتفون بالأخذ عن مشايخ المغرب والمشرق، وإنما أبدعوا بدورهم في تصنيف مجموعة من المؤلفات شملت مختلف العلوم الإسلامية، وكونت تراثاً فكرياً ظل موضع تقدير كبير.

حظي الفقه بالنصيب الأوفر من المؤلفات التنبكتية، على اعتبار أن العلم الإسلامي هو أساساً الفقه بالدين، “فلكل شيء عماد، وعماد هذا الدين (الإسلامي) هو الفقه، وما عبد الله بشيء أفضل من فقه في دين”([1]). فانطلاقاً من هذه المركزية التي اختص بها الفقه في المنظومة الفكرية الإسلامية، ألف فقهاء سنكري مجموعة من المصنفات كان أغلبها عبارة عن حواشي وشروح لأحد أهم مصادر المذهب المالكي انتشاراً، وهو مختصر الشيخ خليل.

يعد القاضي محمود بن عمر (868-955هـ/1463-1548م) من أوائل الشارحين لهذا المصنف([2]). وحول نفس الموضوع كتب شيخ آخر هو محمد التازختي (874-936هـ/1469-1529م)، وهو معاصر للقاضي محمود المتقدم([3]). كذلك “للفقيه سيدي محمد بن أحمد بن أبي بكر الوداني الحاجي، شرح على مختصر خليل في مجلدين سماهما موهوب الجليل بشرح خليل. فيه نكث عجيبة ومسائل مفيدة ونقول صحيحة. كان حياً عام ثلاثة وثلاثين وتسعمائة/1526م([4]). وكتب أيضاً “الفقيه صالح بن محمد اند عمر المعروف بصالح تكن.. شرحاً على مختصر خليل رحمه الله تعالى”([5]). كما ألف شمس الدين الإنصمني التكدي المتوفى بعد 1597 تعليقين على مختصر الشيخ خليل، أحدهما في أربعة مجلدات، والآخر في اثنين([6]).

وصنف محمد بغيغ “تعاليق وحواشي نبه فيها على ما وقع لشراح خليل وغيره، وتتبع ما في الشرح الكبير للتتائي من السهو، نقلاً وتقريراً، في غاية الإفادة”([7]).

وأنجز العاقب بن عبد الله الانصمني المسوفي تعاليق من أحسنها كلامه على قول خليل وخصصت نية الحالف، لخصه أحمد بابا مع كلام غيره في جزء سماه تنبيه الواقف على تحرير خصصت نية الحالف([8]).

شكلت هذه المـراجع أولى عناصر الآداب الفقهية الإسلامية بالسـودان الغربي. فهي تستحق أن تذكر كشهادات عن البحث الثـقافي والديـني بنفس القدر التي تـشرف هؤلاء العلماء الذين عملوا في ظروف لا تخلو من صعوبات وإكراهات. ومن دون شك فقد وجد فقهاء آخرون كانوا أقـل شهرة، أو لم تحتفظ الأيام بمـؤلفاتهم التي غـالباً ما كانت نتاج عملهم التعليمي([9]).

وفي المقابل ألف علماء آخرون شروحاً للمختصر حققت شهرة كبرى في بلاد المغرب ومصر. فقد وضع أحمد بابا شرحين أحدهما “من الزكاة إلى أثناء النكاح في سفرين، وسماه المقصد الكفيل بحل مقفل خليل. وحاشية (أخرى) عليه سماها منن الرب الجليل في تحرير مهمات خليل في سفرين، ينقل منهما الأجهوري في شرحه على المختصر”([10]).

وفي سياق الاهتمام بالفقه وقعت العناية بتراجم الفقهاء المالكية. فبفضل “نيل الابتهاج أصبح ممكناً إعادة ترتيب التاريخ الثقافي لتنبكتو. وبهذه الصفة احتل إسم أحمد بابا مكاناً مهماً في الذاكرة التنبكتية السودانية وكذلك في بلاد شمال أفريقيا. ولا يزال هذا العلَم يعبر لحد الآن عن الجهد الذي بذل من أجل أن يحصل السودان الغربي (الغرب الأفريقي) على مكانة ثقافية في نفس مستوى بقية بلدان العالم الإسلامي([11]).

وقدمت كفاية المحتاج تراجم العلماء المالكية الذين عاشوا ما بين القرن 13 و17. وقد نقل عنها السعدي كثيراً. وأعطت معلومات هامة عن الحياة الفكرية للمسلمين في بلاد السودان الغربي، فمن بين 662 شخصية المترجم لها نجد 16 عالماً ينتمون إلى السودان أو جاؤوا إليه من أجل التدريس والدعوة الدينية. وفي ترجمته الذاتية عرض أحمد باب التنبكتي 25 مصنفاً درسها دراسة متأنية، وتعلق الأمر بمصادر أندلسية ومغربية ومصرية وعراقية([12]).

        وألف صاحب نشر المثاني محمد بن الطيب القادري تكملة للكفاية سماها الإكليل والتاج في كفاية المحتاج. وهو استدراك لما فات أحمد بابا من تراجم المالكية. كما قدم تعريفاً بمجموعة من العلماء غير المالكيين، لكن مؤلفاتهم متداولة في الدوائر المالكية بالمغرب، وغالباً ما تمت الإحالة عليها([13]).

استمد أحمد بابا منهجه في الترجمة لرجال المالكية من “الصلاح الصفدي مؤلف أكبر معجم في الأعلام، وهو الوافي بالوفيات. ويقوم هذا المنهج على البداية في التراجم باللقب، ثم بالكنية، ثم بالإسم، وبالنسبة إلى البلاد، ثم الأصل، ثم إلى المذهب في الفروع، ثم إلى الاعتقاد، ثم إلى العلم والصناعة والخلافة والسلطنة والوزارة والقضاء والإمرة والمشيخة”([14]).

لقد قدم نيل الابتهاج وكفاية المحتاج معلومات قيمة عن مراكز الدراسة وموضوعاتها وكتب الدراسة وصلة المشيخة والتلمذة بين الأجيال، والتأثر والتأثير بين مراكز الثقافة الإسلامية المختلفة، وأسماء كتب التراث التي كانت موجودة في المنطقة.

وتتميز الكفاية كذلك بالخصائص التالية: فبالإضافة إلى المعلومات البيوغرافية المحضة، فهي تحيل أيضاً على أحداث تاريخية حتى دون أن تكون لها علاقة مباشرة مع الشخصيات المدروسة. وفي معلوماته عن الشخصيات المعروفة يذكر المترجم أصل المترجم له، والمميزات الشخصية، والمواد العلمية، والأساتذة والطلبة، والمؤلفات. ومن جهة أخرى يحصل أن يناقش أحمد بابا، وهو بصدد إحدى تراجمه، أحد مواضيع أصول الفقه، مثل الاجتهاد أو غيره. كما يعتني المؤلف بذكر مراجعه. وإلى جانب المصادر المكتوبة، يعتمد المصنف روايات شفوية استقاها من مجموعة من معاصريه مثل تلميذه محمد بن يعقوب المراكشي([15]).

ويمكن تصنيف المصادر التي رجع إليها أحمد بابا في تحرير تراجم الديباج حسب ما يلي:

*- كتب التراجم والطبقاتومنها الذيل والتكملة لابن عبد الملك، جذوة الاقتباس لابن القاضي (يسميها تاريخ فاس)، وبغية الوعاة للسيوطي.

*- كتب المناقب: ومنها التشوف للتادلي، وأنس الفقير، وعز الحقير.

*- كتب الفهارس والبرامج والمشيخات والإجازات، ومن أبرزها فهرسة ابن الأحمر، فهرسة المنجور، فهرسة ابن غازي، وكناشة الشيخ زروق.

*- كتب الرحلات: رحلة العبدري، رحلة ابن بطوطة.

*- كتب الوفيات: وفيات الونشريسي ووفيات ابن قنفد.

*-كتب التاريخ العام والخاص: مثل العبر لابن خلدون والروض الهتون لابن غازي([16]). وجميع هذه الكتب تبرز سعة علم مؤلف الكفاية والنيل، وعنايته وانتصاره لمذهبه المالكي.

إن أحمد بابا يظل أقرب إلى الفقهاء منه إلى المؤرخين، غير أن الفرق بينه وبين كثير من فقهاء زمنه أنه كان واعياً بقيمة التاريخ عارفاً بمكانته، وقد كان التاريخ بالنسبة إليه سلاحاً لا يقل عن سلاح الفقه. ومن يقرأ “معراج الصعود” و “جلب النعمة” يرى كيف كان أحمد يستعمل هذا السلاح من أجل دفاعه عن الحرية ودعوته إلى الإصلاح([17]). إنه من خلال الرجوع إلى الماضي، كان يحاكم حاضره السياسي المتأزم لجموح الحكام وصراعاتهم اللامتناهية حول العرش.

وفي مادة التاريخ ألف القاضي محمود كعت تاريخ الفتاش، وعبد الرحمن السعدي تاريخ السودان، وهي مؤلفات تميزت “بالخصوص بفلسفتها الإسلامية فيما يتعلق بالجانب الأخلاقي الذي من شأنه أن يؤثر إيجابياً على السودانيين. لم تكن تكتفي بعرض الأحداث، بل كانت تقوم بتحليلها، حيث فسرت الأحداث كعطاء من الله إذا كانت جميلة، وكعقاب منه إذا كانت غير ذلك. وكانت متشددة في نقد الملوك إذا تعرضوا للشرائع الإلهية، منشرحة أمام كل الأعمال المحمودة. لذلك جاءت هذه التواريخ عبارة عن مؤلفات في الأخلاق العملية”([18]). إلا أنه يجب التأكيد على أن هذه المحاكمة الأخلاقية للواقع السياسي السوداني هي محاكمة ذات خلفية سياسية أيضاً، بحكم انتقاد العلماء لنوع التدبير الذي انتهجه أواخر الاساكي.

وتجب الإشـارة أيضاً إلى مؤلف في تاريـخ السودان كـتبه بابا كورو بن الحاج محمد يحمل عنـوان درر الحـسان في أخبار بـعض مـلوك السودان، ذكره الفـتاش العـديد من المرات، لكنه لم يصلنا. كذلك لا زال مؤلف آخر في التاريخ مفقوداً، وهو من إنجاز أحمد بابا ويحمل عنوان: درر السلوك بذكر الخلفاء وأفاضل الملوك. ومن شأن العثور عليه أن يساعدنا على فهم أحسن لرأي المؤلف، من موقع سلطته العلمية، اتجاه رجل السلطة. ولماذا اقتصر على أخيار الملوك. وما هي مقاييسه في الربط بين الخلفاء والملوك الأصفياء. وإلى أي حد انطلق في تأليفه هذا من رغبة معلنة أو غير معلنة في إعادة البناء التاريخي وفق نموذج سابق (أي نموذج الخلافة الراشدية)؟.

ولم تكن عناية العلماء السودانيين باللغة العربية قليلة، وهم الذين اعتبروا إتقانهم للغة العربية دليلاً إضافياً عن حسن إسلامهم وعمقه وصدقه. فتعاطوا لشرح بعض المتون اللغوية ومنها نص الآجرومية. فممن شرحه كان “كل من عبد الله اند عبد الله بن أحمد الولاتي، والقاضي أحمد بن اندغمحمد الذي سمى مؤلفه الفتوح القيومية في شرح الأجرومية.

وأما “الفقيه عبد الرحمن بن الفقيه محمود..فله قطعة من التواليف رحمه الله شرح ألفية السيوطي وتكملة البجاءي على اللامية وشرح ملفقات شواهد الخزرجي”([19]). وهذه كلها كتابات اعتنت بمواد وعلوم في اللغة العربية.

        وفي علم المنطق ألف محمد بن محمود بن عمر شرحاً على رجز المغيلي في هذه الصناعة([20])، كما شرح “أحمد بن أحمد بن عمر بن محمد أقيت.. منظومة المغيلي في المنطق شرحاً حسناً، وعلق على.. جمل الخونجي”([21])، وهو عالم منطقي مصري، شافعي المذهب، توفي بالقاهرة سنة 646/1248م([22]).

        فبدوره استهدف علم المنطق لما يحمله صاحبه من بيان تقديم الحجة الدينية والدعوة إلى الشريعة بالتي هي أفصح. يقول أحمد أقيت شارح نظم المغيلي: “فكل كلام من الكتاب والسنة وكلام علماء الأمة يجب أن يحمل على أصول المنطق، لأن المنطق حق في نفسه، وتحقيق للحق عند جهله”([23]).

        وبالنسبة لعلم الكلام فقد صنف أحمد بابا شرحاً لصغرى السنوسي كما فعل أبوه من قبله، وشرحاً آخر للعقيدة البرهانية للسلالجي والمطلب والمأرب في أعظم أسماء الرب وتنوير القلوب بتكفير الأعمال الصالحات للذنوب([24]).

ويمكن تلخيص أهم المحـاور التي تضمنها مؤلف تنويـر القلوب على الشكل التالي:

·   استعرض أحمد بابا الآراء القائلة بأن تكفير الذنوب الكبيرة لا يمكنه أن يتم إلا بفعل التوبة، والتي تزعمها ابن العربي (ت543/1148)، وابن دقيق العيد (ت702/1302)، وأحمد زروق (ت998/1589)، والزمخشري (ت538/1141)، وابن مرزوق الحفيد وآخرون([25]). وينسب أحمد بابا للمعتزلة رأياً قريباً من هذا الاتجاه حيث يقول: “المعتزلة يقولون: لا تكفر إلا بالتوبة فقط، دون رحمة الله تعالى وفضله. ولذا أوجبوا دخول صاحب الكبيرة في النار إن لم يتب”([26]).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
WeCreativez WhatsApp Support
فريق صفروبريس في الاستماع
مرحبا
إغلاق