المغرب

الدكتور سعيد الحليمي يكتب : "مطالعة في الإطار القانوني لمواجهة كورونا : دراسة مقارنة بين المغرب وإسبانيا(2/2)"

 لمن فاته المنطلق الأول المرجو الظغط هنا 

المنطلق الثاني

الجدل القانوني حول إقحام بعض النصوص والمقتضيات الاستثنائية في الاطار القانوني لمواجهة مخلفات فيروس كورونا

         1. الجانب الإسباني

الباحث الذي يطمئن إلى ظاهر النص قد يغفل عن بعض توجهات المشرع ومراميه الخفية، ولذا كان لزاما إنشاء قول على قول وتحليل على تحليل، دون الإسراف في قراءة النوايا، لأنه منطق فيه، ويتميز بحدية خطيرة من شأنها تحوير البحث وتنميطه بنمطية الصراعات والتجاذبات الإيديولوجية والسياسية والمصلحية، على حساب المساعي الحميدة والاهداف السامية للدولة واجهزتها – والتي لا يلزمها، لعدة اعتبارات – تفسيرها للعامة.

إذا كان من وظائف القوانين تحديد ضوابط التصرف وأنماط المعاملات داخل المجتمع، فهي ايضا من مهام الادارة، وبالتالي تكون في مجملها علمية وإدارية وأحد ركائز دولة الحق والقانون والعدل. وبه وجب التعامل معها بحذر شديدي، حيث لا ينبغي للمشرع العمل خارج إطار المعقول والمقبول، في إطار احترام كنه القاعدة القانونية التي تنظم الحياة داخل مجتمع معين في ظروف زمنية ومكانية محددة.

تأسيسا على هذه الضوابط، ثارت ثائرة بعض الملاحظين، خاصة المنتمين إلى الجهاز التشريعي من أعضاء المعارضة البرلمانية في إسبانيا عندما اكتشفوا أن المرسوم الملكي بقانون 2020/8 يتضمن مقتضيات مغيرة ومتممة للفصل السادس من القانون 2002/11 المتعلق بالمركز الوطني للإنتلجينسيا CNI ، والتي من خلالها – رأت أحزاب المعارضة – ان رئيس الحكومة يرمي إلى إقحام نائبه الثاني ورئيس حزب Unidas Podemos في لجنة مراقبة وتتبع أعمال هذا المركز والتنسيق بين مختلف أجهزة الاستعلامات المدنية والعسكرية، الأمر الذي لم يستسغه نواب حزب vox اليميني وطعنوا أمام المحكمة الدستورية بعدم ملائمة هذا النص مع واقع الحال.

وفي تعليل طعنهم بعدم دستورية مراجعة الفصل 6 من القانون المؤطر لعمل CNI أمام المحكمة الدستورية، أثار الفريق البرلماني المذكور مسألة عدم استعجالية هذا الأمر وأهميته في هذه اللحظة من تاريخ إسبانيا، وأنه لا يعدو يشكل سوى استغلال واستثمار لهذه الفترة العصيبة من أجل إقحام هذا التعديل، الذي رأوا أن من شأنه تمكين رئيس الحزب اليساري من الاطلاع على أسرار لا يريدونه الوصول إليها بصفته الحالية – كوزير مكلف بالحقوق الاجتماعية وأجندة 2030 وتوجهه الإيديولوجي المنافي لقيم اليمين.

استندت الجهات المعارضة لهذا التعديل إلى عدم ملائمة هذا الأمر مع ما تقتضيه حالة الطوارئ التي أسس لها المرسوم رقم 20/8 ولا مع ما تنص عليه فقرات الفصل 86 من الدستور، بعيدا عن منطق الرفض والتأثيم الذي يميز مسارات الصراع السياسوي في المرحلة الراهنة بين اليمين المتطرف واليسار الحاكم، في مناكفة قانونية محضة تقوم على القراءة السياسية للتشريع والتمحيص في مثوياته وثناياه. وبالتالي حرصت المعاضة على فرض احترام الاطار القانوني المؤسس و المحدد لكل التصرفات القانونية والإجرائية في هذه المرحلة. 

         2. الجانب المغربي

موضوع الحقوق والحريات المؤسسة والمضمونة دستوريا كان له نصيب مهم من الجدل القانوني الذي صاحب اعمال المقتضيات القانونية المتعلقة بالتدابير الاستعجالية والاستثنائية لمواجهة فيروس كورونا كوفيد  بالمغرب 19، حيث ارتكز على حماية التوازن الضروري بين حرية الدولة في التشريع والتصرف الاداري، لما فيه خير الوطن والمواطنين وحرية هؤلاء. وذلك حين لاحظت فئات عريضة من المتتبعين والمهتمين ان من شان تطبيق او بالحرى تمرير مقتضيات مشروع القانون 22/20 المتعلق باستعمال شبكات التواصل الاجتماعي، وشبكات البث المفتوح والشبكات المماثلة رفع منسوب حرية مؤسسات الدولة على حساب السواد الاعظم من الفئات المجتمعية.

شكل هذا التدافع ختباار قانونياا تشريعي مهما وخطيرا فتحته تسريبات متن مشروع قانون 22/20 المتعلق باستعمال شبكات التواصل الاجتماعي ، التي حاولت الحكومة تمريره في هذه الفترة والظرفية غير المناسبة، حسب أغلب المتتبعين والمهتمين.  بعض هؤلاء، اعتبرها خطوة إلى الوراء في مجال حقوق الإنسان والحريات، بل ذهب البعض الاخر إلى القول بكونها ردة حقوقية محضة واستغلال لظرف طارئ وحساس، قصد إدراج مسائل خارجة عن الإطار القانوني والدستوري على وجه الخصوص،  ما يرتبط بالتدابير الاستعجالية لمواجهة وباء كورونا.

من هذا المنطلق، يمكن مقاربة التجربتين المغربية والإسبانية على وجه التقريب والمقارنة، بحيث يتضح أن التأطير والتأسيس القانوني والمؤسساتي الجيد والمضبوط لأية خطوات حكومية يمكن من تدخل اجهزة الرقابة التشريعية في إطار إعادة الأمور إلى نصابها. لأن الاجتهاد المؤسساتي التشريعي ينتمي – أصلا – إلى بيئة قويمة بطبعها وتوجهها. لكن حالما تدخل اعتبارات فئوية في مضمار التشريع وأهدافه ومخططاته، تتدخل ادوات المراقبة، سواء القبلية– والحال هاته – في التجربة المغربية او البعدية كما سجل ذلك في منظومة الرقابة في إسبانيا، حيث وقفت هذه الاليات في وجه ما وصف – هن و هناك – بالانحياز إلى مآرب حزبية او فوئبة ضيقة. فيما انبرى- في المغرب- المجتمع المدني وبعض النشطاء والهيئات الحزبية إلى محاولة تمرير النص القانوني، موضوع الجدل القانوني الواسع، والذي لم يجد قبولا لدى هذه الأطراف.

من جهة واخرى أثار فتح خط ائتمان وتمويل بقيمة ثلاثة ملايير دولار من قبل الحكومة المغربية تحت مبرر مواجهة مخلفات الآثار الاقتصادية والاجتماعية لجائحة كورونا، رفض بعض الجهات، رغم التعليل الذي قدمته الحكومة كون هذا القرض الممنوح من طرف صندوق النقد الدولي، هو محض إجراء احترازي وقائي ضد الأخطار والصدمات الخارجية المحتملة في المستقبل المنظور.

تجدر الإشارة في، هذا الصدد، إلى رفض فيديرالية اليسار الديمقراطي التصويت لفائدة مرسوم بقانون رقم 2.20.320 ، الذي اجاز للحكومة تجاوز سقف التمويلات الخارجية من الاقتراض، معللة موقفها بعدم جدوى هذا القرض في الوقت الراهن ومطالبة بمزيد من التوضيحات فيما يخص الاستخدام الفعلي والحقيقي لهذه الأموال.

ولتوصيف هذا القرار قانونيا، نرى أنه أسس على مقتضيات دستورية ملاءمة للفصل (81 من الاعلان الدستوري لسنة 2011) ، كما انبنى على أطر قانونية سليمة وهرمية ومتناسقة، لكنه أغفل الإحالة أو التأسيس على المرسوم بقانون 2.20.292 و 2.20.293 المتعلقين بإعلان وسن وتنفيذ حالة الطوارئ والإجراءات والتدابير الراهنة لمواجهة مخلفات جائحة كورونا.

ختاما، ينبغي أن يكون للقانون سلطة على البشر، لا أن يكون للبشر سلطة على القانون، كما قال ذلك بوزانياس. لان سلطة القانون تمكن من ضبط التوازنات الاساسية داخل المجتمع ولا تترك المجال مفتوحا لتجاوزات الافراد ونزواتهم و ميولاتهم وولاءاتهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
WeCreativez WhatsApp Support
فريق صفروبريس في الاستماع
مرحبا
إغلاق