قيم هذا المقال

0

الكلمات الدلالية:

لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع
الرئيسية | أقلام حرة | د سعيد سامي : "إسهامات جامع سنكري بتنبكتو في إثراء الخزانة الإسلامية في العلوم الشرعية عصر امبراطورية سنغاي"

د سعيد سامي : "إسهامات جامع سنكري بتنبكتو في إثراء الخزانة الإسلامية في العلوم الشرعية عصر امبراطورية سنغاي"

 بسم الله الرحمن الرحيم

"إسهامات جامع سنكري بتنبكتو في إثراء الخزانة الإسلامية

    في العلوم الشرعية عصر امبراطورية سنغاي

القرن 10 الهجري/ 16 الميلادي"

        نقدم في هذا البحث جرداً لأهم المؤلفات التي ساهمت بها جامعة سنكري بتنبكتو في إثراء الخزانة الإسلامية خلال القرن العاشر الهجري / 16 م، وقد كانت هذه المدينة العاصمة العلمية في عصر إمبراطورية سنغاي الإسلامية التي امتدت على جمهورية مالي الحالية وأجزاء من النيجر وشمال نيجيريا، ومناطق من بوركينا فاسو، وأجزاء من بلاد الطوارق شمال الصحراء الكبرى.

لم يعد علماء الغرب الأفريقي خلال القرن 16 يكتفون بالأخذ عن مشايخ المغرب والمشرق، وإنما أبدعوا بدورهم في تصنيف مجموعة من المؤلفات شملت مختلف العلوم الإسلامية، وكونت تراثاً فكرياً ظل موضع تقدير كبير.

حظي الفقه بالنصيب الأوفر من المؤلفات التنبكتية، على اعتبار أن العلم الإسلامي هو أساساً الفقه بالدين، "فلكل شيء عماد، وعماد هذا الدين (الإسلامي) هو الفقه، وما عبد الله بشيء أفضل من فقه في دين"([1]). فانطلاقاً من هذه المركزية التي اختص بها الفقه في المنظومة الفكرية الإسلامية، ألف فقهاء سنكري مجموعة من المصنفات كان أغلبها عبارة عن حواشي وشروح لأحد أهم مصادر المذهب المالكي انتشاراً، وهو مختصر الشيخ خليل.

يعد القاضي محمود بن عمر (868-955هـ/1463-1548م) من أوائل الشارحين لهذا المصنف([2]). وحول نفس الموضوع كتب شيخ آخر هو محمد التازختي (874-936هـ/1469-1529م)، وهو معاصر للقاضي محمود المتقدم([3]). كذلك "للفقيه سيدي محمد بن أحمد بن أبي بكر الوداني الحاجي، شرح على مختصر خليل في مجلدين سماهما موهوب الجليل بشرح خليل. فيه نكث عجيبة ومسائل مفيدة ونقول صحيحة. كان حياً عام ثلاثة وثلاثين وتسعمائة/1526م"([4]). وكتب أيضاً "الفقيه صالح بن محمد اند عمر المعروف بصالح تكن.. شرحاً على مختصر خليل رحمه الله تعالى"([5]). كما ألف شمس الدين الإنصمني التكدي المتوفى بعد 1597 تعليقين على مختصر الشيخ خليل، أحدهما في أربعة مجلدات، والآخر في اثنين([6]).

وصنف محمد بغيغ "تعاليق وحواشي نبه فيها على ما وقع لشراح خليل وغيره، وتتبع ما في الشرح الكبير للتتائي من السهو، نقلاً وتقريراً، في غاية الإفادة"([7]).

وأنجز العاقب بن عبد الله الانصمني المسوفي تعاليق من أحسنها كلامه على قول خليل وخصصت نية الحالف، لخصه أحمد بابا مع كلام غيره في جزء سماه تنبيه الواقف على تحرير خصصت نية الحالف([8]).

شكلت هذه المـراجع أولى عناصر الآداب الفقهية الإسلامية بالسـودان الغربي. فهي تستحق أن تذكر كشهادات عن البحث الثـقافي والديـني بنفس القدر التي تـشرف هؤلاء العلماء الذين عملوا في ظروف لا تخلو من صعوبات وإكراهات. ومن دون شك فقد وجد فقهاء آخرون كانوا أقـل شهرة، أو لم تحتفظ الأيام بمـؤلفاتهم التي غـالباً ما كانت نتاج عملهم التعليمي([9]).

وفي المقابل ألف علماء آخرون شروحاً للمختصر حققت شهرة كبرى في بلاد المغرب ومصر. فقد وضع أحمد بابا شرحين أحدهما "من الزكاة إلى أثناء النكاح في سفرين، وسماه المقصد الكفيل بحل مقفل خليل. وحاشية (أخرى) عليه سماها منن الرب الجليل في تحرير مهمات خليل في سفرين، ينقل منهما الأجهوري في شرحه على المختصر"([10]).

وفي سياق الاهتمام بالفقه وقعت العناية بتراجم الفقهاء المالكية. فبفضل "نيل الابتهاج أصبح ممكناً إعادة ترتيب التاريخ الثقافي لتنبكتو. وبهذه الصفة احتل إسم أحمد بابا مكاناً مهماً في الذاكرة التنبكتية السودانية وكذلك في بلاد شمال أفريقيا. ولا يزال هذا العلَم يعبر لحد الآن عن الجهد الذي بذل من أجل أن يحصل السودان الغربي (الغرب الأفريقي) على مكانة ثقافية في نفس مستوى بقية بلدان العالم الإسلامي([11]).

وقدمت كفاية المحتاج تراجم العلماء المالكية الذين عاشوا ما بين القرن 13 و17. وقد نقل عنها السعدي كثيراً. وأعطت معلومات هامة عن الحياة الفكرية للمسلمين في بلاد السودان الغربي، فمن بين 662 شخصية المترجم لها نجد 16 عالماً ينتمون إلى السودان أو جاؤوا إليه من أجل التدريس والدعوة الدينية. وفي ترجمته الذاتية عرض أحمد باب التنبكتي 25 مصنفاً درسها دراسة متأنية، وتعلق الأمر بمصادر أندلسية ومغربية ومصرية وعراقية([12]).

        وألف صاحب نشر المثاني محمد بن الطيب القادري تكملة للكفاية سماها الإكليل والتاج في كفاية المحتاج. وهو استدراك لما فات أحمد بابا من تراجم المالكية. كما قدم تعريفاً بمجموعة من العلماء غير المالكيين، لكن مؤلفاتهم متداولة في الدوائر المالكية بالمغرب، وغالباً ما تمت الإحالة عليها([13]).

استمد أحمد بابا منهجه في الترجمة لرجال المالكية من "الصلاح الصفدي مؤلف أكبر معجم في الأعلام، وهو الوافي بالوفيات. ويقوم هذا المنهج على البداية في التراجم باللقب، ثم بالكنية، ثم بالإسم، وبالنسبة إلى البلاد، ثم الأصل، ثم إلى المذهب في الفروع، ثم إلى الاعتقاد، ثم إلى العلم والصناعة والخلافة والسلطنة والوزارة والقضاء والإمرة والمشيخة"([14]).

لقد قدم نيل الابتهاج وكفاية المحتاج معلومات قيمة عن مراكز الدراسة وموضوعاتها وكتب الدراسة وصلة المشيخة والتلمذة بين الأجيال، والتأثر والتأثير بين مراكز الثقافة الإسلامية المختلفة، وأسماء كتب التراث التي كانت موجودة في المنطقة.

وتتميز الكفاية كذلك بالخصائص التالية: فبالإضافة إلى المعلومات البيوغرافية المحضة، فهي تحيل أيضاً على أحداث تاريخية حتى دون أن تكون لها علاقة مباشرة مع الشخصيات المدروسة. وفي معلوماته عن الشخصيات المعروفة يذكر المترجم أصل المترجم له، والمميزات الشخصية، والمواد العلمية، والأساتذة والطلبة، والمؤلفات. ومن جهة أخرى يحصل أن يناقش أحمد بابا، وهو بصدد إحدى تراجمه، أحد مواضيع أصول الفقه، مثل الاجتهاد أو غيره. كما يعتني المؤلف بذكر مراجعه. وإلى جانب المصادر المكتوبة، يعتمد المصنف روايات شفوية استقاها من مجموعة من معاصريه مثل تلميذه محمد بن يعقوب المراكشي([15]).

ويمكن تصنيف المصادر التي رجع إليها أحمد بابا في تحرير تراجم الديباج حسب ما يلي:

*- كتب التراجم والطبقاتومنها الذيل والتكملة لابن عبد الملك، جذوة الاقتباس لابن القاضي (يسميها تاريخ فاس)، وبغية الوعاة للسيوطي.

*- كتب المناقب: ومنها التشوف للتادلي، وأنس الفقير، وعز الحقير.

*- كتب الفهارس والبرامج والمشيخات والإجازات، ومن أبرزها فهرسة ابن الأحمر، فهرسة المنجور، فهرسة ابن غازي، وكناشة الشيخ زروق.

*- كتب الرحلات: رحلة العبدري، رحلة ابن بطوطة.

*- كتب الوفيات: وفيات الونشريسي ووفيات ابن قنفد.

*-كتب التاريخ العام والخاص: مثل العبر لابن خلدون والروض الهتون لابن غازي([16]). وجميع هذه الكتب تبرز سعة علم مؤلف الكفاية والنيل، وعنايته وانتصاره لمذهبه المالكي.

إن أحمد بابا يظل أقرب إلى الفقهاء منه إلى المؤرخين، غير أن الفرق بينه وبين كثير من فقهاء زمنه أنه كان واعياً بقيمة التاريخ عارفاً بمكانته، وقد كان التاريخ بالنسبة إليه سلاحاً لا يقل عن سلاح الفقه. ومن يقرأ "معراج الصعود" و "جلب النعمة" يرى كيف كان أحمد يستعمل هذا السلاح من أجل دفاعه عن الحرية ودعوته إلى الإصلاح([17]). إنه من خلال الرجوع إلى الماضي، كان يحاكم حاضره السياسي المتأزم لجموح الحكام وصراعاتهم اللامتناهية حول العرش.

وفي مادة التاريخ ألف القاضي محمود كعت تاريخ الفتاش، وعبد الرحمن السعدي تاريخ السودان، وهي مؤلفات تميزت "بالخصوص بفلسفتها الإسلامية فيما يتعلق بالجانب الأخلاقي الذي من شأنه أن يؤثر إيجابياً على السودانيين. لم تكن تكتفي بعرض الأحداث، بل كانت تقوم بتحليلها، حيث فسرت الأحداث كعطاء من الله إذا كانت جميلة، وكعقاب منه إذا كانت غير ذلك. وكانت متشددة في نقد الملوك إذا تعرضوا للشرائع الإلهية، منشرحة أمام كل الأعمال المحمودة. لذلك جاءت هذه التواريخ عبارة عن مؤلفات في الأخلاق العملية"([18]). إلا أنه يجب التأكيد على أن هذه المحاكمة الأخلاقية للواقع السياسي السوداني هي محاكمة ذات خلفية سياسية أيضاً، بحكم انتقاد العلماء لنوع التدبير الذي انتهجه أواخر الاساكي.

وتجب الإشـارة أيضاً إلى مؤلف في تاريـخ السودان كـتبه بابا كورو بن الحاج محمد يحمل عنـوان درر الحـسان في أخبار بـعض مـلوك السودان، ذكره الفـتاش العـديد من المرات، لكنه لم يصلنا. كذلك لا زال مؤلف آخر في التاريخ مفقوداً، وهو من إنجاز أحمد بابا ويحمل عنوان: درر السلوك بذكر الخلفاء وأفاضل الملوك. ومن شأن العثور عليه أن يساعدنا على فهم أحسن لرأي المؤلف، من موقع سلطته العلمية، اتجاه رجل السلطة. ولماذا اقتصر على أخيار الملوك. وما هي مقاييسه في الربط بين الخلفاء والملوك الأصفياء. وإلى أي حد انطلق في تأليفه هذا من رغبة معلنة أو غير معلنة في إعادة البناء التاريخي وفق نموذج سابق (أي نموذج الخلافة الراشدية)؟.

ولم تكن عناية العلماء السودانيين باللغة العربية قليلة، وهم الذين اعتبروا إتقانهم للغة العربية دليلاً إضافياً عن حسن إسلامهم وعمقه وصدقه. فتعاطوا لشرح بعض المتون اللغوية ومنها نص الآجرومية. فممن شرحه كان "كل من عبد الله اند عبد الله بن أحمد الولاتي، والقاضي أحمد بن اندغمحمد الذي سمى مؤلفه الفتوح القيومية في شرح الأجرومية.

وأما "الفقيه عبد الرحمن بن الفقيه محمود..فله قطعة من التواليف رحمه الله شرح ألفية السيوطي وتكملة البجاءي على اللامية وشرح ملفقات شواهد الخزرجي"([19]). وهذه كلها كتابات اعتنت بمواد وعلوم في اللغة العربية.

        وفي علم المنطق ألف محمد بن محمود بن عمر شرحاً على رجز المغيلي في هذه الصناعة([20])، كما شرح "أحمد بن أحمد بن عمر بن محمد أقيت.. منظومة المغيلي في المنطق شرحاً حسناً، وعلق على.. جمل الخونجي"([21])، وهو عالم منطقي مصري، شافعي المذهب، توفي بالقاهرة سنة 646/1248م([22]).

        فبدوره استهدف علم المنطق لما يحمله صاحبه من بيان تقديم الحجة الدينية والدعوة إلى الشريعة بالتي هي أفصح. يقول أحمد أقيت شارح نظم المغيلي: "فكل كلام من الكتاب والسنة وكلام علماء الأمة يجب أن يحمل على أصول المنطق، لأن المنطق حق في نفسه، وتحقيق للحق عند جهله"([23]).

        وبالنسبة لعلم الكلام فقد صنف أحمد بابا شرحاً لصغرى السنوسي كما فعل أبوه من قبله، وشرحاً آخر للعقيدة البرهانية للسلالجي والمطلب والمأرب في أعظم أسماء الرب وتنوير القلوب بتكفير الأعمال الصالحات للذنوب([24]).

ويمكن تلخيص أهم المحـاور التي تضمنها مؤلف تنويـر القلوب على الشكل التالي:

·   استعرض أحمد بابا الآراء القائلة بأن تكفير الذنوب الكبيرة لا يمكنه أن يتم إلا بفعل التوبة، والتي تزعمها ابن العربي (ت543/1148)، وابن دقيق العيد (ت702/1302)، وأحمد زروق (ت998/1589)، والزمخشري (ت538/1141)، وابن مرزوق الحفيد وآخرون([25]). وينسب أحمد بابا للمعتزلة رأياً قريباً من هذا الاتجاه حيث يقول: "المعتزلة يقولون: لا تكفر إلا بالتوبة فقط، دون رحمة الله تعالى وفضله. ولذا أوجبوا دخول صاحب الكبيرة في النار إن لم يتب"([26]).

·   الآراء القائلة بأن الأعمال الصالحة تغفر الذنوب الصغيرة والكبيرة. ويرى أحمد بابا أن أصحاب هذا الاتجاه يميلون للرأي الأشعري. ومن متزعمي هذه الأطروحة فخر الدين الرازي (ت606/1210)، وعبد الرحمن الثعالبي (ت875/1470م)، ومحمد بن يوسف السنوسي الذي يقول: "فالحاصل على هذا أنه لا تنحصر فائدة الوزن في مقادير الثواب والعقاب، بل من ثمراته معرفة من يتفضل عليه مولانا بالعفو، أو يعدل فيه بالمؤاخذة، وهو تعالى أعلم بكيفية ما يكون وعلى أي وجه يكون. فيجب على المؤمن أن لا يعتقد في وزن الأعمال ما قاله بعض المعتزلة على ما سبق. ولا يجب التعرض لها وراء ذلك بل له ترك الخوض فيه ويكل عمله إلى الله تعالى"([27]).

·   وعند مناقشة الطرحين، يعلن أحمد بابا عن رأيه الذي يميل بشكل واضح لأصحاب الاتجاه الثاني: "يقولون إن الكبيرة لا يكفرها إلا التوبة، وظواهر الحديث تقتضي خلاف ذلك"([28]). فاعتماداً على أحاديث صحيحة أكد العالم السوداني طابع جواز تكفير الذنوب الصغيرة والكبيرة ببعض الأعمال المقبولة([29]).

وأحياناً كان بعض العلماء يؤلفون رسائل صغيرة حول إحدى المسائل الفقهية أو الكلامية، من ذلك ما كتبه أحمد بابا حول:

*- الخوض في بعض المسائل الكلامية أمام العامة، "كقول القائل: اللهم إني أسألك بقدرتك التي استويت بها على عرشك، فلم يعلم العرش أين مستقرك. هل لا بأس بالدعاء أم يمنع لإيهامه؟

..فأقول اعلم أن الدعاء بما ذكر لا ينبغي بحضرة العامة وبين الجهلة لما فيه من الإيـهام من ثبوت الجهة والمكان في حقه تعالى، وهو منـزه عنه، سيما والغالب على العامة والجهلة اعتقاد الجهة وتخيل التجسيم"([30]).

        *- فضل النية على العمل: حيث كتب أحمد بابا غاية الأمل في تفضيل النية على العمل. ففي الفصلين الأولين ناقش المؤلف مطولاً دلالات مصطلح النية، سارداً مجموعة من نصوص الغزالي وابن العربي والقرافي. ثم برهن في الفصل الثالث على أن النية أفضل من العمل بدليلين:

- أفضلية النية تكمن في أن العمل الذي ولو أنجز كاملاً متفقاً مع مبادئ الإسلام فهو يبقى رهيناً أولاً بالنية مصداقاً "لحديث ابن عباس مرفوعاً: إن الله كتب الحسنات والسيئات. فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، فإن هم بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبع مائة ضعف إلى أضعاف كثيرة. وحديث أنس مرفوعاً: نية المؤمن أبلغ من عمله، رواه البيهقي"([31]).

- ولأن النية هي نتاج القلب أشرف عضو عند الإنسان فلا يمكن التشكيك في أفضليتها. ولذلك قسم أحمد بابا أعضاء الجسم إلى ظاهرة وباطنة. تقوم الأولى بالأعمال، في حين أن الثانية تأمر بها. وبهذا المعنى تكون النية أفضل من العمل، لأنها هي مصدره.

ينطلق أحمد بابا من مبدإ أن العمل من دون نية محددة لا يمكنه أن يكون ذا قيمة، لذلك فالنية عند المؤلف هي أفضل دينياً وأخلاقياً من العمل.

وناقش الكاتب في الفصل الرابع الحديثين المشار إليهما أعلاه، فهما أولاً يتوفران على أصالة وعلى متانة السند. فالحديث الأول يوجد في صحيح البخاري، وتتضمنه باقي الصحاح. والثاني له إسناد قوي أيضاً.

وخصص أحمد بابا الخاتمة لطرح مفهوم الإخلاص الذي يطهر العمل من كل الشوائب، وخاصة من النفاق. والإيمان يقاس بدرجة الإخلاص، وهو الموقف الأكثر عمقاً الذي يطلب من المؤمن، لذلك كله يقابل الإخلاص النفاق والشرك. ولأن هذا المفهوم هو تعبير إيماني داخلي، يحيل المؤلف على نصوص لصوفية مشهورين مثل أبي القاسم القشيري (ت 465/1073م) وابن عطاء الله الاسكندري (ت656/1258م) والأنصاري (ت481/1089م) وأحمد زروق (ت899/1589). ويبقى نص الغزالي هو الأكثر تأثيراً على طرح أحمد بابا.

وفي الحقيقة فمادة غاية الأمل هي مؤلف في علم النفس الروحي([32]).

كذلك صنف السودانيون في الأمداح النبوية([33]) والسياسة الشرعية([34]) والتصوف والآداب المناقبية ([35]) والعلاقة مع السلطة الحاكمة مثل تحفة الفضلاء وجلب النعمة لأحمد بابا.

وبعد، فهذا غيض من فيض([36]) مما ألفه علماء سوادن في مختلف أصناف العلوم والألوان، فتحقق حضورهم في سجل الثقافة الإسلامية، وترسخ انتماؤهم إلى الأمة-الملة الجامعة، واشتد وعيهم وارتباطهم بالهوية المشتركة. كان العقل السوداني الإسلامي عقلاً فقهياً يعبر عن إرادة رفع مستويات التدين والأسلمة وملاءمة الواقع المحلي مع التشريعات والأعراف الإسلامية وفقاً للاختيار المالكي.

وتبعاً لنفس الغرض، يمكننا تفسير الاهتمام المتميز الذي حصل بعلم الكلام وضرورة تصحيح عقيدة الأهالي، وخاصة داخل الأوساط الحديثة العهد بالإسلام. وبين الاختيار الفقهي والعقدي حضر الاهتمام بعلوم اللغة والبيان والحساب والتصوف والمنطق والتاريخ والفلك والعروض وغيرها من العلوم الإسلامية. وبذلك تكونت نهضة ثقافية حقيقية أحدثت تراكمات معرفية مهمة ساهمت في إغناء النقاش الفكري الإصلاحي الذي دار داخل مجتمعات السودان الغربي خلال القرن 19م.

تأليف: د- سعيد سامي 

أستاذ التعليم العالي بالمدرسة العليا للأساتذة بفاس 

رئيس شعبة التاريخ والجغرافيا 2004-2012

المنسق البيداغوجي لماستر: الكفايات وتجويد الممارسات التعليمية التعلمية 

عضو الفريق البيداغوجي لماستر الديبلوماسية الدينية بكلية الشريعة بفاس 

عضو مختبر الشريعة والقانون والمجتمع بكلية الشريعة بفاس

 

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها

الإشتراك في تعليقات نظام RSS تعليقات الزوّار (0)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

النشرة البريدية

Facebook

صوت وصورة

العالم المغربي منصف السلاوي يخطب في البيت الابيض مع الرئيس الامريكي ترامب ويعد ب300مليون جرعة لقاح،

العالم المغربي منصف السلاوي يخطب في البيت الابيض مع الرئيس الامريكي ترامب ويعد ب300مليون جرعة لقاح،


Grand angle : A la rencontre de l’éminent scientifique Moncef Slaoui

Grand angle : A la rencontre de l’éminent scientifique Moncef Slaoui


"قانوني فداري"رسالة أمل في زمن "كورونا" من عازفي دار القانون بالمغرب

"قانوني فداري"رسالة أمل في زمن "كورونا" من عازفي دار القانون بالمغرب


د صقلي حسيني .. كورونا، الصيام ومرضى القصور الكلوي معرضون لمخاطر الإصابة أكثر بسبب ضعف المناعة

د صقلي حسيني .. كورونا، الصيام ومرضى القصور الكلوي معرضون لمخاطر الإصابة أكثر بسبب ضعف المناعة


شاهد مجهودات جبارة للسلطات بصفرو من أجل إخلاء سوق ستي مسعودة وساحة العموري  والساكنة تشيد

شاهد مجهودات جبارة للسلطات بصفرو من أجل إخلاء سوق ستي مسعودة وساحة العموري والساكنة تشيد


الورامي لأصحاب المتاجر: السلطات المحلية تحذركم ابتداء من يوم غد لا تساهل مع احتلال الملك العام

الورامي لأصحاب المتاجر: السلطات المحلية تحذركم ابتداء من يوم غد لا تساهل مع احتلال الملك العام


شاهد لليوم الثالث السلطات بصفرو تشدد المراقبة على القادمين من فاس وسائقون يشيدون بالمجهودات المبذولة

شاهد لليوم الثالث السلطات بصفرو تشدد المراقبة على القادمين من فاس وسائقون يشيدون بالمجهودات المبذولة


هااام من أكاديمية جهة فاس-مكناس..دليل تتبع الدروس عن بعد

هااام من أكاديمية جهة فاس-مكناس..دليل تتبع الدروس عن بعد


برافو السلطات بصفرو..بعد تشديد المراقبة بأمر من السيد العامل شاهد البق مايزهق بين فاس وصفرو

برافو السلطات بصفرو..بعد تشديد المراقبة بأمر من السيد العامل شاهد البق مايزهق بين فاس وصفرو


السطات المحلية والمجتمع المدني..استمرار الحملات التحسيسية والحزم في تطبيق حالة الطوارئ الصحية

السطات المحلية والمجتمع المدني..استمرار الحملات التحسيسية والحزم في تطبيق حالة الطوارئ الصحية


شاهد المجتمع المدني بتازوطة في حملة تعقيم واسعة للسيارات الوافدة على الجماعة

شاهد المجتمع المدني بتازوطة في حملة تعقيم واسعة للسيارات الوافدة على الجماعة


شاب من فاس يكشف أعراض كورونا التي ظهرت عليه ويوجه رسالة قوية للمغاربة

شاب من فاس يكشف أعراض كورونا التي ظهرت عليه ويوجه رسالة قوية للمغاربة


أمزازي : التعليم عن بعد لا يمكن بتاتا تعويض التعليم الحضوري

أمزازي : التعليم عن بعد لا يمكن بتاتا تعويض التعليم الحضوري


أمزازي : نبث جميع المقررات عبر القنوات التلفزية لضمان تكافؤ الفرص بين المتمدرسين

أمزازي : نبث جميع المقررات عبر القنوات التلفزية لضمان تكافؤ الفرص بين المتمدرسين


أمزازي : يجب على التعليم الخاص تقدير المرحلة وتقديم مساعدات في الأداء للأسرة التي عجزت عن الأداء

أمزازي : يجب على التعليم الخاص تقدير المرحلة وتقديم مساعدات في الأداء للأسرة التي عجزت عن الأداء